متى ظهر الشعور بالوحدة عند الإنسان وكيف تأثيره على الفرد؟

لقد عرفنا جميعاً أشخاصاً يشعرون بالوحدة – ربما كنا نشعر بالوحدة. قبل بضع مئات من السنين، لم يكن هذا هو الحال. لقد اتخذت الكلمة معنى جديداً، وتطور معها مفهوم جديد تماماً.

مقالات ذات صلة:

الشعور بالوحدة هو مفهوم حديث، وغالباً ما يُطلق عليه هذه الأيام باسم “وباء”

من المغري التفكير في العواطف كمفاهيم موجودة خارج الزمن: أجزاء جوهرية وثابتة والتي تجعلنا بشراً. ولكن في الواقع، من الممكن أن يتغير المجتمع كثيراً بحيث تتطور المشاعر المختلفة وتتغير. أحد الأمثلة البارزة على ذلك، مع أهمية كبيرة اليوم، هو الشعور بالوحدة.

فكر في أغنية البيتلز الشهيرة “إليانور ريجبي” التي صورت قرية مليئة بالأفراد الوحيدين. كانت الأغنية مشهورة جدآ في الستينيات، عندما أدت التغييرات المجتمعية الضخمة إلى الابتعاد عن الشمل الأسري التقليدي والزواج المستقر مع الأطفال: كان ذلك الوقت الذي بدأت فيه الوحدة أكثر شيوعاً، وخاصة بين كبار السن.

في هذه الأيام، من الشائع الحديث عن الوحدة على أنها “وباء”. هذا أكثر من مجرد استعارة: يمكن أن تؤدي الوحدة إلى المرض وحتى الموت، وتُقَدر خدمة الصحة الوطنية في المملكة المتحدة أن الأشخاص الوحيدين معرضين أكثر بنسبة 30 في المائة للموت المبكر. تقول هيئة الخدمات الصحية الوطنية إن الشعور بالوحدة يزيد من خطر الإصابة بأمراض مثل الخرف والاكتئاب وحتى السكتات الدماغية.

ظهور مصطلح الشعور بالوحدة

هذا أكثر إثارة للدهشة لأن مفهومنا المعاصر للوحدة ظهر مؤخراً في القرن التاسع عشر. ما هو أكثر من ذلك، لا يزال من الصعب تعريف الوحدة اليوم – لغوياً، ليس لها نقيض، وهي ليست مثل كونك وحيداً لأن الشعور بالوحدة ينطوي أيضاً على شعور بالافتقار العاطفي.

من المفيد التفكير في الشعور بالوحدة كنوع من المزيج العاطفي، والذي يتضمن عناصر الاستياء والحزن والعار والشفقة على الذات وعلى الغير.

لكن مهما كان تعريفك لشعور الوحدة، فلا شك في أهمية هذا الشعور في المجتمع المعاصر. يمكنك حتى مقارنتها بالسمنة، حيث أن لدى الحالتين كمية مدهشة من القواسم المشتركة. كلاهما من الأمراض المزمنة المرتبطة بنمط الحياة، وهما منتشران بشكل خاص في العالم الغربي المعاصر.

كلاهما يضع طلباً كبيراً على الخدمات الصحية. وكلتا الحالتين يعاني منها أولئك الذين لا يستطيعون الهروب من حدودهم – الجسد في حالة السمنة، والعقل في حالة الوحدة. لكن الوحدة ليست حالة عقلية بحتة. مثل كل المشاعر، يتم اختبارها وتتأثر بالجسد وكذلك العقل.

كيف نشأت الشعور بالوحدة بمعناها المعاصر؟

لقد تغير معنى “الوحدة” في القرنين الماضيين، بالتزامن مع التغيير المجتمعي

وفقاً لقاموس أوكسفورد الإنجليزي، تعود كلمة “وحيد” أو “lonely” إلى القرن السادس عشر، ولها معنيان:

  • الأول، يعني كون الشخص حزيناً بسبب عدم وجود رفقة،
  • والثاني يشير إلى مكان بعيد.

ولكن تم استخدام المعنى الثاني فقط على نطاق واسع قبل القرن التاسع عشر. وبدأ استخدام مصطلح “الوحدة” على نطاق واسع في القرن التاسع عشر.

هذا أكثر من مجرد تغيير في اللغة: إنه يتعلق بميلاد مفهوم جديد تماماً.

Bound Alberti مؤلفة كتاب “A Biography of Loneliness” يقول أن الاستخدام المتزايد لمصطلح “وحدة” في القرن التاسع عشر مرتبط بالتغيرات في المجتمع.

في هذه الأيام، نفكر في حالة الوحدة على أنها سلبية تماماً، ولكن في الأوقات السابقة لم يكن هذا هو الحال بالضرورة. قبل القرن التاسع عشر، كان أن يكون المرء بمفرده – أو أن يختبر “الوحدة”، وهو مصطلح تراجعت شعبيته – له فوائد مفهومة على نطاق واسع. بشكل ملحوظ، كان ذلك لأن الناس لم يكونوا يشعرون بانهم وحدهم.

حتى لو لم يكن هناك أشخاص في الجوار، كان المرء لا يزال في محضر الله، لأن غالباً ما كان يُنظر إلى العزلة – المصطلح المرادف للوحدة – على أنها تجربة دينية إيجابية.

ومع ذلك، في القرن الحادي والعشرين، من النادر التحدث عن فوائد الوحدة. يعتبر التواصل الاجتماعي الركن الأساسي للصحة العقلية الجيدة. ومع ذلك، من المفارقات أن الشعور بالوحدة ربما يكون أكثر شيوعاً من أي وقت مضى، وذلك بسبب مجموعة من التحولات في كل من الطريقة التي نعيش بها وكيف نفكر في حياتنا.

انتشار الفردية وارتفاع العلمانية

لسبب واحد، في الغرب، يعيش المزيد من الناس بمفردهم هذه الأيام: من غير المتعارف أن يعيش المرء مع عائلته بأكملها.

يرتبط هذا التغيير بانتشار الفردية كقيمة مجتمعية، حيث يسعى كل شخص لتحقيق أهدافه الخاصة، أحياناً على حساب الجماعة. ثم، بالطبع، هناك ارتفاع في العلمانية. في الغرب، على الأقل، تضاءل تأثير الدين، وبالتالي فقدت فكرة العزلة كنوع من الرفقة المقدسة.

في هذه الأيام، يقل احتمال تعريف بعض الناس لأنفسهم من خلال علاقتهم مع الله. حتى على مستوى بعض الدول العربية، يزداد هذا التوجة عند كثير من العرب اقتداءً بالغرب.

لذالك، الكثير من الناس يبني هوياته الخاصة بناءً على علاقات مع الأشخاص من حوله. وإذا كانت هذه العلاقات مفقودة، فيصبح الشخص ليس وحيداً مع تعلق قلبه بالله تعالى، ولكن ببساطة وحيداً بمفرده. ربما ليس من المستغرب، إذن، أن هذه الوحدة اليوم – التي تعاني منها أعداد متزايدة باستمرار – تعتبر مشكلة كبيرة.

وسائل التواصل الاجتماعي والشعور بالوحدة

وسائل التواصل الاجتماعي هي في معظم الأحيان السبب بشعور جيل الالفية بالوحدة، لكن الحقيقة هي اعمق مما نتوقع.

وباء الشعور بالوحدة اليوم لا يأثر فقط على كبر السن. في الواقع، حسب استقصاء تم عمله في ٢٠١٨ من قبل مكتب المملكة المتحدة لحصائيات المجتمع بأن أكثر فئة عمرية تُبلغ عن الشعور بالوحدة كانو هم فئة البالغين.

وبين جيل الالفية، وسائل التواصل الاجتماعي تعتبر السبب الشائع للشعور بالوحدة. لكن هل وسائل التواصل الاجتماعي هي السبب الرئيسي لشعور جيل الالفية بالوحدة؟ أو هي فقط وأحد من اعراض هذا الشعور؟

بالتاكيد، يمكن لوسائل التواصل الاجتماعي أن تلعب دورها في تكوين هذا الشعور بسبب المصطلح الحديث (FOMO – Fear of Missing Out). أو كما يُترجم هذا المصطلح على أن هو الخوف من الشعور بالضياع.

في استبيان تم عمله في ٢٠١٢، أفاد ما يقرب من ثلاثة من كل أربعة من الشباب أنهم شعروا بالضياع، والذي غالباً ما يكون نتيجة لرؤية منشورات الآخرين على وسائل التواصل الاجتماعي التي تصور أنماط الحياة الجذابة والبراقة.

تدعم المزيد من الدراسات فكرة أن وسائل التواصل الاجتماعي يمكن أن يكون لها تأثير عميق على مشاعرنا. أظهرت تجربة أجراتها Facebook نفسه في عام 2014 أن العواطف التي يلاحظها المستخدم في المنشورات يمكن أن تؤثر على عواطفه، مما يخلق تأثيراً ينتشر عبر مجموعات كبيرة.

لكن دعونا نتوقف قليلاً قبل أن نقرر الخوف من هذه التكنولوجيا الجديدة. بعد كل شيء، كان الناس يخشون الآثار الاجتماعية التي سيحدثها الهاتف عندما تم تقديمه. كان البعض قلقاً من أن يجعل الناس أكثر كسلاً ويثني الناس عن زيارة بعضهم البعض. لكن الفوائد العديدة للهاتف – خاصةً في السماح للأشخاص المعزولين مثل المزارعين بالبقاء على اتصال مع الآخرين بسهولة أكبر – كانت واضحة تماماً.

تأثير وسائل التواصل الاجتماعية على مشاعر الوحدة

في نهاية المطاف، يعود تأثير وسائل التواصل الاجتماعي إلى كيفية استخدامها، ونوع الحياة التي يعيشها شخص ما على نطاق أوسع. تشير الدراسات إلى أن استخدام الوسائط الاجتماعية يمكن أن يزيد بالفعل من الشعور بالوحدة – ولكن فقط عندما لا يتم استكمال هذا الاستخدام بأنشطة غير متصلة بالإنترنت.

إذا كان لا يزال هناك جسر بين وسائل التواصل الاجتماعي و “الحياة الواقعية”، فهذا ليس ضاراً على الإطلاق. المشكلة هي فقط عندما يحل النشاط عبر الإنترنت محل النشاط الحياة الواقعية والتواصل الاجتماعي خارج نطاق الإنترنت.

إذن، ربما لا تكون وسائل التواصل الاجتماعي سبباً أو علامة للوحدة عند جيل الألفية. علاوة على ذلك، يمكن أن يكون لها تأثير إيجابي أو سلبي على الشعور بالوحدة، اعتماداً على السياق الأوسع. صحيح أنه يمكن أن يجعل بعض الناس يشعرون بمزيد من الوحدة. ولكن يمكنها أيضاً أن تجمع الأشخاص معاً – ربما حتى “في الحياة الواقعية”.

عندما تستخدم وسائل التواصل الاجتماعي لإحداث تأثير إيجابي، فمن الطبيعي أن يستفيد ليس فقط جيل الألفية. يمكن أن تلعب أيضاً دورها في التأثير على مجموعة أخرى تتأثر بشكل خاص بالوحدة: كبار السن.

الشعور بالوحدة يمر به أناس من فئات مختلفة

الشعور بالوحدة يمر به أناس من فئات مختلفة، وبطرق متنوعة – ليس كل الطرق سلبيه.

ليس من السهل التعميم حول الشعور بالوحدة. يمكن أن يجربها الأشخاص من جميع مناحي الحياة، في جميع مراحل الحياة، ويؤثر على الجميع بطرق فريدة ومختلفة. التوقعات الثقافية المختلفة للرجال والنساء تُظهر أنها قضية جنسية أيضاً. تأمل، على سبيل المثال، الدلالات المتناقضة لكل من “العانس” و “العازب” – طريقتان مختلفتان تماماً للإشارة إلى العزوبية.

من المهم أيضاً أن تتذكر أن الوحدة ليست تجربة عقلية فقط: إنها أيضاً تجربة جسدية.

قام عالما الأعصاب جون كاس وباتريك ويليام بعمل تشبيه مثير للشعور بالوحدة: إن الوحدة تشبه الجوع. ليس فقط لأننا نشعر بالجوع جسدياً، مثل الألم أو الشعور بالبرودة، ولكن أيضاً لأن هذا الإحساس الجسدي هو إشارة إلى أن أجسادنا ترسل لنا لإعلامنا بأن هناك شيئاً ما ينقصه.

إحدى الطرق التي يحاول بها بعض الأشخاص التعامل مع الشعور بالجوع هي من خلال شراء الطعام والشراب. ولكن عندما يتعلق الأمر بالوحدة، تشير الدلائل إلى أن هذا لا يعمل بشكل أساسي. يشتري الناس المزيد من الأشياء عندما يشعرون بالوحدة، لكن القيام بذلك لا يساعد في تهدئة مشاعرهم بالوحدة.

في الواقع، يمكن للأشياء أن تلعب دوراً بارزاً في تجربة الشعور بالوحدة، لأنها قد تثير ذكريات مؤلمة أو حنين إلى الماضي. إحاطة نفسك بالأشياء ليس علاجاً للوحدة.

الارتباط الثقافي للعزلة مع الفن

لا يعني ذلك أن كل من يشعر بالوحدة يبحث عن العلاج. بالنسبة للبعض، الوحدة هي في الواقع حالة مرغوبة. على وجه الخصوص، كان للوحدة ارتباط ثقافي طويل بالفنانين، الذين قد يحتاجون إلى العزلة لإنشاء أفضل أعمالهم.

حتى أن الكاتبة فيرجينيا وولف وجدت أن ألم الوحدة يمكن أن يكون دافعاً للإبداع الفني. راينر ماريا ريلكه كاتب آخر كتب عن أهمية أن تكون وحيداً من أجل التخلص من المشتتات والوصول إلى الذات الداخلية.

ومع ذلك، من المهم عدم المبالغة في تقدير الفوائد المحتملة للوحدة، حتى في مثل حالات الفنانين. إنه لامتياز أن تكون قادراً على البحث عن الوحدة. كما يفعل بعض الفنانين.

عزل نفسك عن العالم، والقدرة على العودة إليه لاحقاً. لكن مثل هذه الوحدة او العزلة تختلف تماماً عن الشعور بالوحدة اللاإرادية. العديد من الآخرين – فكروا في المشردين، على سبيل المثال، أو اللاجئين، ناهيك عن أولئك الذين يعانون من الوحدة المزمنة، مثل سيلفيا بلاث – ليس لديهم عالم آخر أقل عزلة في انتظارهم. بالنسبة لهم، لا يمكن التخلص من الألم الجسدي للوحدة.

الوحدة هي حالة شعورية حديثة، ونحن بحاجة إلى إعادة تقييم طريقة تفكيرنا بها

لم يظهر الشعور بالوحدة المعروفة في العصر الحديث بمعزل عن جميع التغييرات الأخرى التي حدثت في آخر 200 عام أو نحو ذلك. المجتمع اليوم، كما رأينا، مُهيأ بشكل مختلف تماماً عما كان عليه في الماضي. والتغييرات في توحد الأسرة التقليدية على وجه الخصوص اختفت بسبب زيادة انتشار ثقافة الفردية.

أحد المفكرين الذين بذلوا جهداً عن غير قصد وكان له تأثيراً كبيراً على تغيير تصورات الوحدة هو تشارلز داروين. إن مفهوم البقاء للأصلح لم يغير فقط طريقة تفكيرنا في علم الأحياء.

أصبح له تطبيق أوسع بكثير على المجتمع ككل، وغالباً ما يشار إليه باسم الداروينية الاجتماعية. ترسم الداروينية الاجتماعية مبدأ التطور في حياة الإنسان بشكل عام، في مجالات مثل الاقتصاد والسياسة، وترفع مفهوم المنافسة إلى شيء أساسي لأي شكل من أشكال النجاح.

يقترح مؤلف كتاب “A Biography of Loneliness” أن النيوليبرالية هي المسؤولة عن بروز الشعور بالوحدة. هذه النظرة السياسية والاقتصادية لها جوانب مشتركة مع الداروينية الاجتماعية في تفضيلها لاقتصاد السوق الحر الذي تحفزه المنافسة.

وبالتالي فقد أدى إلى الخصخصة (أو التخصيص) وإلغاء القيود والتركيز المستمر على الفرد بدلاً من المجموعات الاجتماعية الأكبر. كل هذا يؤدي في النهاية إلى تكوين مجتمع يصعب على من يحتاج الدعم أن يعثر على الدعم من المجتمع.


ختاماً، الوحدة ليست المفهوم العام الذي يميل الناس إلى تخيله. إنه في الواقع نتيجة عصرنا الحديث، وهو شعور متعدد الأوجه. بعيداً كل البعد عن “الوحدة” التي شهدناها قبل القرن التاسع عشر، تنطوي الوحدة على إحساس عميق بالافتقار. بدلاً من أن نعامل الشعور بالوحدة أو العزلة على أنها شيء يأتي حتماً مع تقدم العمر، أو شيء يجب إلقاء اللوم عليه على التكنولوجيا الجديدة، نحتاج إلى فهم الوحدة بشكل أفضل في سياقها التاريخي.