قدرات العقل: كيف تُطلق العنان لقدرات عقلك الخارقة؟

يُعد الدماغ البشري، الذي يتكون من حوالي 100 مليار خلية عصبية، أحد أكثر المخلوقات البيولوجية تعقيداً في الطبيعة. يستفيد البشر من قدرات العقل يومياً لأداء مهام بسيطة مثل حل معادلات رياضية، الوصول إلى ذاكرة التجارب السابقة ومعالجة المشاعر حول الأحداث الجارية.

ومع ذلك، فإن تعقيد الحياة اليومية بالكاد تُرهق الدماغ البشري. تخيل لو استطعنا حقاً إطلاق العنان لقدرات العقل الكاملة لتلك المليارات من الخلايا العصبية والانتقال إلى ما وراء النشاط الأساسي للدماغ؟

مقالات ذات صلة:

بمجرد أن تفهم كيف يعمل الدماغ، يمكنك استخدام هذه المعرفة لشفاء جسمك

الدماغ والجسد ليسا منفصلين. في الواقع، يرتبط دماغ الإنسان ارتباطاً وثيقاً بكل خلية في جسم الإنسان.

عندما يتواصل الدماغ مع الجسم، يمكن أن تحدث حلقات التغذية الراجعة. تحدث حلقات التغذية الراجعة عندما تطلق المنبهات الخارجية سلسلة من ردود الفعل من الرسائل المتزامنة والمتضاربة أحياناً.

لنفترض أنك تمشي في الشارع عندما يقفز كلب من خلف أحد الأبواب ويفزعك. يتسبب هذا الحدث في قيام عقلك بإرسال رسالة القتال او الهروب إلى جسدك. سيبدأ قلبك في الخفقان بشكل أسرع.

قد يؤدي الخوف من هذا القبيل إلى نوبة قلبية، ولكن عادة ما يتم منع ذلك من خلال رسالة أخرى من الدماغ تطلق حلقة من ردود الفعل. أثناء نبض قلبك بسرعة، يخبر الدماغ الغدد الكظرية في نفس الوقت بإنتاج هرمونات لمنع قلبك من الخفقان بسرعة كبيرة. ستعمل هذه الهرمونات في النهاية على إعادة نبضات القلب إلى مستواه الطبيعي.

الأمر المثير في هذه العملية هو أننا نمتلك القدرة على التحكم في حلقات التغذية الراجعة وكذلك تحديد كيفية تأثير هذا الاتصال على الجسم.

على سبيل المثال، يمارس الرهبان التبتيون توازناً متناغماً بين العقل والجسد. من خلال التركيز المكثف، يمكن للرهبان التحكم في الرسائل التي يرسلها الدماغ إلى الجسم. عندما تنخفض درجة الحرارة إلى ما دون درجة التجمد، يستطيع الراهب التأمل وتشجيع دماغه على إرسال رسائل لجسده من شأنها رفع درجة حرارة جسمه إلى مستوى مريح.

ويتم ايضاً استغلال هذا النوع من التحكم في العقل لمحاربة الأمراض التي كانت تعتبر مزمنة وغير قابلة للشفاء.

عندما يصاب الشخص بسكتة دماغية، يمكن أن تقطع الصدمة المسارات العصبية المستخدمة لإرسال رسائل من الدماغ إلى أجزاء من الجسم، مما قد يؤدي إلى شلل جزئي.

في حين اعتقد الأطباء في السابق أن هذا الشلل غير قابل للشفاء، يمكن للمعالجين الآن مساعدة ضحايا السكتة الدماغية في تدريب الدماغ عن طريق إرسال رسائل متكررة إلى المناطق المصابة من الجسم.

كجزء من العلاج، يركز المريض على مهام بسيطة، مثل رفع كوب أو كتابة كلمة، وبمرور الوقت، ستصلح المسارات العصبية نفسها ويمكن استعادة الحركة المنتظمة.

يوضح لنا هذا المثال مدى مرونة وقوة الدماغ عندما نوليه اهتماماً أكبر.

يمكن للناس توليد الخلايا العصبية في الدماغ من خلال التحديات الفكرية والتمارين البدنية

يتحدث الناس أحياناً عن الأنشطة من حيث عدد خلايا الدماغ التي “تستهلك” عند عمل مهمة صعبة – كما لو كان لدى البشر كمية محدودة من خلايا الدماغ!

صحيح أن دماغ الإنسان يحتوي على الكثير من الخلايا العصبية. كذلك، يمكن للدماغ أن يولد المزيد من الخلايا العصبية إذا لزم الأمر.

هناك أسطورة شائعة تشير إلى أن الدماغ مثل أي آلة أخرى. بمرور الوقت، يعاني الدماغ كثيراً من التآكل والتلف لدرجة أنه سيتدهور حتماً أو يتضرر بشكل دائم.

يفقد دماغ الإنسان يومياً ما يقرب من 85000 خلية عصبية في المتوسط، ولكن هذا الإجمالي في الحقيقة هو قطرة في محيط. هناك 40 مليار خلية عصبية متوفرة في القشرة الدماغية وحدها!

إذا أخذنا في الاعتبار الخلايا العصبية التي نفقدها يومياً، بهذا المعدل، يمكن للإنسان أن يعيش لمئات السنين ولا يزال لديه الكثير من الخلايا العصبية المتبقية ليعيش حياة عالم رياضيات لامع وموهوب.

من المثير للدهشة أن الدماغ البشري يصنع خلايا دماغية جديدة طوال الوقت.

في جامعة روتشستر، قام طبيب الأعصاب بول كولمان باكتشاف مذهل. وجد أن دماغ شخص يبلغ من العمر 20 عاماً ودماغ شخص يبلغ من العمر 70 عاماً لهما نفس الكمية من الخلايا العصبية. هذا بسبب قدرة الجسم على تجديد الخلايا.

ينمو دماغ الإنسان ويتطور دائماً. يفعل ذلك عندما يتم إعطاؤه تحدياً عقلياً، مثل تعلم لغة جديدة أو حل مشكلة رياضية.

ومن المثير للاهتمام أن نفس التأثير قد لوحظ في الطيور. عندما درس الباحثون عصفور الحمار الوحشي، وجدوا أن دماغ الطائر نما بشكل ملحوظ خلال موسم التزاوج، حيث كانت الطيور تتعلم أغانٍ جديدة لجذب شركائها.

تساعد التمارين البدنية أيضاً على إنتاج الخلايا العصبية في الدماغ. في جامعة شيكاغو، أظهر طبيب الأعصاب سام سيسوديا أن الخلايا العصبية التي يتم تكوينها من خلال التمرين يمكن أن تساعد أيضاً في منع الفئران من الإصابة بأمراض مثل مرض الزهايمر.

لتنمية قدرات عقلك وتحسينها، كن منفتحاً على التجارب الجديدة والعالم من حولك

من الذي لا يريد عقلاً خارقاً، أو أن يصبح ستيف جوبز أو وارن بافيت القادم؟ إذا كنت مهتماً بتنمية قدرات عقلك، فيجب أن تنظر إلى نماذج مختلفة.

الأطفال خبراء في تعلم وتطوير أدمغتهم. يمكنهم تعليمنا الكثير عن زيادة قدرات العقل.

الخطوة الأولى لتنمية قدرات العقل هي أن تكون منفتحاً على العالم والإمكانيات التي يوفرها للتعلم والنمو.

يقضي معظم الناس يومهم منطوي عن العالم الخارجي. إنهم يبقون رؤوسهم منخفضة، غير مهتمين بالابتعاد عن الروتين اليومي.

يؤدي إيقاف قوى الملاحظة والفضول إلى منع عقلك من النمو. لتحفيز قدرات عقلك الخارق، ابق منفتحاً على المشاهد الجديدة وراقب الطبيعة أو البيئة التي تعيش فيها.

تحدث إلى أشخاص جدد، وانتبه للأصوات والروائح الجديدة؛ لا تخاف من الانحراف عما هو “طبيعي”. جرب أطباق جديدة، تذوق أشياء جديدة!

القراءة مهمة أيضا. ومع ذلك، فإن الصحف تكون حاجزاً لكثير من الناس عن القراءة لأنها غالباً ما تكون مليئة بالقصص الحزينة او سلبية. هذا الموقف يحجب المعلومات الجديدة. ومع عدم وجود معلومات جديدة، فإن عقلك يتضور جوعاً.

لذلك لا تخف من استيعاب كل الأخبار التي يمكنك الحصول عليها – فهذه المعلومات هي مصدر قيم في اكتشاف المزيد عن عالمك. وما يحدث “هناك” وكيف يعيش الناس في البلدان الأخرى.

أثناء استكشاف العالم من خلال الأخبار، من المهم أيضاً أن تظل منفتح الذهن عند سماع آراء الآخرين.

لا ينبغي أن يكون الدماغ النامي متحيزاً أو يحمل أفكاراً مسبقة حول الصواب أو الخطأ. لا ترفض رأي شخص ما إذا كان هذا الرأي لا يتماشى مع أفكارك، في السياسة أو الدين أو غير ذلك.

بدلاً من ذلك، استخدم المناقشات كفرصة لتصبح أكثر إطلاعاً على جميع جوانب القضية.

يمكن أن يؤدي التأمل والسلوك الإيثاري إلى تحفيز العقل والجسم بشكل إيجابي وإطالة العمر

إذا اكتشفت أن خلايا جسمك قد تضررت، فقد تكون غريزتك الأولى هي البحث عن العلاج بالحبوب أو الجراحة. ومع ذلك، فقد أظهر العلم أن هناك بدائل أكثر فعالية وأقل تدخلاً.

التأمل، على سبيل المثال، ليس مجرد طريقة رائعة لإضفاء الهدوء والسلام على حياتك، بل يمكنه أيضاً تنشيط جسمك.

أظهرت دراسة أجريت عام 2010 بواسطة باحثين في جامعة كاليفورنيا في ديفيس أن ممارسة التأمل المكثف يمكن أن تزيد من إمداد الجسم بإنزيم تيلوميراز.

مع تقدمنا في العمر، يمكن أن تتدهور “الأغطية” الموجودة في أطراف خيوط الحمض النووي التي تسمى التيلوميرات، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى تلف الخلايا.

يقوي إنزيم التيلوميراز التيلوميرات، مما يضمن بقاء كل من الحمض النووي والخلايا بصحة جيدة.

لكن هذه ليست الوظيفة الوحيدة للتيلوميراز. كشفت الدراسة نفسها أن الأشخاص الذين لديهم مستويات أعلى من التيلوميراز يصبح لديهم أيضاً سعادة أكبر ومقاومة للأمراض. لذلك لا يعيش هؤلاء الأشخاص حياة أطول وأكثر صحة فحسب، بل يشعرون أيضاً بمزيد من الرضا.

بالإضافة إلى ذلك، هناك طريقة أخرى للعيش حياة أطول وأكثر صحة وهي ممارسة الإيثار. الإيثار قوي للغاية لدرجة أن مجرد مشاهدته أثناء العمل يمكن أن يكون له فوائد صحية!

راقب باحثو جامعة هارفارد ردود أفعال الأشخاص الذين شاهدوا فيلماً وثائقياً عن الأم تيريزا، وهي راهبة كاثوليكية رومانية ومبشرة عملت مع الفقراء.

أظهر الفيلم الوثائقي الأم تيريزا وهي ترعى أطفالاً مرضى في كلكتا. أثناء مشاهدة المشاركين للفيلم، انخفض ضغط الدم ومعدل ضربات القلب إلى مستويات صحية – المستويات التي إذا تم الحفاظ عليها، يمكن أن تؤدي بالفعل إلى العيش لفترة أطول.

حالة أخرى للتأثيرات الإيجابية للإيثار قدمتها عالمة النفس سارة كونراث من جامعة ميتشيغان في عام 2008.

وجدت دراسة من عام 1957 تتبعت صحة حوالي 10000 من خريجي المدارس الثانوية. قررت تعقب هؤلاء الأشخاص بعد 50 عاماً ومعرفة مدى صحتهم.

وجدت أن الأشخاص الذين مارسوا العمل التطوعي خلال حياتهم عاشوا بالفعل لفترة أطول، ولكن فقط إذا كان لديهم الدافع لمساعدة الآخرين وليس فقط الهروب من المشاكل الشخصية.

لا يوجد واقع “ثابت”. تدرك عقولنا العالم، ومع ذلك فإن هذا الإدراك مجرد وهم

ما الذي يحدد “الواقع”؟ فقط لأنك تدرك شيئاً ما، هل هذا يجعله حقيقياً؟

يمكن للمرء أن يقول أن الدماغ البشري قوي للغاية، فإنه يحول الوهم إلى حقيقة.

إذا كنت معجباً بعظمة جراند كانيون، على سبيل المثال، فإن عقلك يعمل على معالجة المعلومات الواردة إليه من خلال حواسك. ترى أن المنحدرات الحجرية حمراء. تشعر على جلدك بنسيم خفيف ودفء الشمس؛ يمكنك شم رائحة الزهور البرية في الوادي.

أنت تعتقد أن هذا هو الواقع. ومع ذلك، فإن ما تواجهه هو مجرد ترجمة دماغك للمعلومات، يتم إرسال المعلومات الى الدماغ بواسطة إشارات كهربائية في عملية كيميائية خالية من أي لون أو رائحة أو إحساس باللمس.

وبالتالي، فإن الواقع هو ما ندركه – لا يوجد دليل على وجود أي عالم مادي خارج دماغنا، ولا يوجد “واقع ثابت” لأن كل ما نعرفه يعتمد على ما ندركه.

بعد كل شيء، نقول إن العشب أخضر لأن أدمغتنا تخبرنا أنه أخضر. ولكن بالنسبة لشخص مصاب بعمى الألوان، فإن الواقع شيء مختلف تماماً.

أثارت دراسة فيزياء الكم أيضاً أسئلة أساسية حول عالمنا.

في عام 1923، نشر الفيزيائيان بروس روزنبلوم وفريد كوتنر كتاب Quantum Enigma، وضحا كيف لا يمكن وصف العالم بأنه “ثابت”. في الواقع، تبقى بعض جسيمات المادة فقط ثابتة، بينما يتحرك البعض الآخر في أنماط تشبه الموجة في طيف معين.

باختصار، المادة ليست صلبة، لكنها متقلبة. أو بعبارة أخرى، الواقع هو في الواقع وهم.

بيان مثل هذا يقود بالطبع إلى العديد والعديد من الأسئلة الأخرى. ولكن إذا كان دماغك منفتحاً على كل الاحتمالات، فإن فكرة وجود وعي أعمق، شيء يمثل جزءاً من كل ما ندركه، ليست مخيفة جداً.

في الواقع، فإن التوصل إلى فهم مثل هذا يفسر سبب قدرة أدمغتنا على القيام بالكثير!

ختاماً، الدماغ ليس آلة حاسبة ببطارية محدودة. إنه عضو حي ونابض ينمو كلما تعلمت، ويتوسع بينما تتأمل وتتواصل مع كل خلية في جسمك. كما أن الدماغ قادر على أكثر بكثير مما نعطيها الفضل – لذلك لا تقلل من شأن قوته. تعرف على المزيد حول ما يمكن أن يفعله عقلك لتحسين حياتك.